أحمد مصطفى المراغي
118
تفسير المراغي
أرض كنعان ، ومن رؤية برهان ربه ، ومن كيد اللّه له ليأخذ أخاه بشرع الملك ، ومن علمه بأن إلقاء قميصه على أبيه يعيده بصيرا بعد عمى بقي كثيرا من السنين . ( إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ) أي إن في شأنهم لعبرة حين قالوا : ليوسف وأخوه شقيقه بنيامين أحب إلى أبينا منا فهو يفضّلهما علينا بمزيد محبة على صغرهما وقليل نفعهما ، ونحن رجال أشداء أقوياء نقوم بكل ما يحتاج إليه من أسباب الرزق والكفاية . ( إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) أي إن أبانا لقد أخطأ في إيثاره يوسف وأخاه من أمه علينا بالمحبة ، وهو قد ضل طريق العدل والمساواة ضلالا بيّنا لا يخفى على أحد ، فكيف يفضّل غلامين ضعيفين لا يقومان له بخدمة نافعة على العصبة أولى القوة والكسب والحماية عن الذمار . وفي الآية من العبرة وجوب عناية الوالدين بمداراة الأولاد وتربيتهم على المحبة واتقاء وقوع التحاسد والتباغض بينهم واجتناب تفضيل بعضهم على بعض بما يعده المفضول إهانة له ومحاباة لأخيه بالهوى . ( اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً ) أي قال إخوة يوسف بعضهم لبعض : اقتلوا يوسف حتى لا يكون لأبيه أمل في لقائه ، أو انبذوه في أرض بعيدة عن العمران بحيث لا يهتدى إلى العودة إلى أبيه إن هو سلم من الهلاك . ( يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ) أي يخل لكم وجه أبيكم من شغله بيوسف فيكن كل توجهه إليكم وكل إقباله عليكم ، بعد أن تخلو الديار ممن يشغله عنكم أو يشارككم في عطفه وحبه وتكونوا من بعد قتله قوما صالحين تائبين إلى اللّه مصلحين لأعمالكم بما يكفّر إثمها مع عدم التصدي لمثلها ، وبذا يرضى عنكم أبوكم ويرضى عنكم ربكم . ( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) الجب : البئر غير المبنية بالحجارة ، وغيابته : ما يغيب عن رؤية البصر